محمد هادي معرفة

26

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء

الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ « 1 » ، ولا يتروّغ مراوغة الزائف الغاشم ، ليترصّد متشابهات الأمور ، فيأخذ من خلالها أهدافه في العبث والفساد في الأرض ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ « 2 » . لا هذا ولا ذاك ، وإنّما هي وقفة حازمة ، وقفة الفاحص النابه ، وسوف تدركه عناية اللّه سبحانه ليحتضن الحقيقة على جلائها وصفائها بفضله تعالى ، وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً « 3 » . إذن كان قولهم : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا تمهيدا لطلب الحقيقة ، ونقطة باعثة على البحث والفحص عنها ، وفي النهاية الوصول إليها . واللّه هو الهادي إلى سبيل الرشاد . وثمّة شبهة أخرى ذكرها الفخر الرازي في المقام ، وهي : أنّ اللّه تعالى مدح الراسخين في العلم بأنّهم يقولون آمنّا به ، فلو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهم في الإيمان به مدح ؛ لأنّ كلّ من عرف الحقيقة فلا بدّ أن يؤمن بها ، فهو مطبوع على الإيمان حينذاك ، فلا موضع للمدح فيه « 4 » . لكنّا ذكرنا أنّ المتشابه متشابه في بادئ النظر حتّى بالنسبة إلى الراسخين في العلم ، لكنّهم - بفضل رسوخهم في العلم وإيمانهم الثابت - لا يتزعزعون ، وسوف يعلمون تأويله بعد الجدّ والاجتهاد ، وهذا هو الذي يستدعي مدحهم والترفيع بجانبهم . ثمّ ليس كلّ من عرف الحقّ أذعن له وآمن به ، وهناك الكثير من زائغي القلب ممّن يلمس الحقّ ثمّ يجحده ، وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا « 5 » .

--> ( 1 ) . الحجّ 22 : 11 . ( 2 ) . آل عمران 3 : 7 . ( 3 ) . الجنّ 72 : 16 . ( 4 ) . التفسير الكبير للفخر 7 : 177 . ( 5 ) . النمل 27 : 14 .